رمضان ارتباط وجداني وحب متجدد

كل عام وأنتم بخير،

ها قد عاد شهر رمضان المبارك وأنار هلاله طريقنا مرة أخرى لنمضي في درب العبادة والهداية ونقاء الجسد والروح لمدة شهر كامل. فالصيام بدء منذ بدء الخليقة، فبحسب المراجع التاريخية والدينية كان آدم عليه السلام أول من بدء بالصيام حيث كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الأيام التي يكتمل فيها القمر والمعروفة لدى المسلمين بالأيام البيض، ليكون مجموع ما صامه 36 يوما طوال العام ويفسره بعض العلماء بأنه صيام التوبة بعد أن خرج من الجنة.

وصام نوح عليه السلام بنفس طريقة أدم عليه السلام وهو ما يسمى بصيام الشكر على النجاة من الطوفان العظيم.

أما داوود عليه السلام فقد كان يصوم يوم ويفطر يوم، وهو خير صيام كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون مجموع ما يصومه طوال العام 182 يوم.

وصام إبراهيم عليه السلام على طريقة أدم عليه السلام، أما نبي الله سليمان فكان يصوم تسعة أيام من كل شهر، ثلاثة في أوله وثلاثة في أوسطه وثلاثة في آخره.

وصام موسى عليه السلام ثلاثين يوما متتابعة دون إفطار ثم أتمهم بصوم عشرة أيام أخرى. وصامت السيدة مريم عن الكلام مع الناس كما ورد في القرآن الكريم.

وقد فرض صيام شهر رمضان على المسلمين في السنة الثانية للهجرة، بينما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصوم كل عام شهر قبل أن ينزل عليه الوحي، وبدأ بعد البعثة بصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، وصام كذلك الثلاثة أيام البيض على طريقة أدم عليه السلام، وقد صام الرسول صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى.

وأوضح الله عز وجل في كتابه الكريم فضل هذا الشهر، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم، وهو الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار وتصفد الشياطين. وخص الله عز وجل في هذا الشهر المبارك عباده المسلمين بليلة القدر التي فيها تغفر الذنوب والسيئات، وتطوف فيها الملائكة بين المسلمين طوال هذه الليلة المباركة، والتي وصفها الله تعالى بأنها خير من ألف شهر، فهنيئا لمن صام هذا الشهر المبارك وأكثر من الاستغفار والطاعات ونال ما استطاع ان ينال من غفران الله وفضله ورحمته.

وتتجلى قدرة الخالق عز وجل بأن يظهر أثر الصيام على الإنسان المسلم منذ أول أيام رمضان، فكأن هناك ارتباط بين إحساس الصائم بالجوع والعطش، وبين التعطش الروحي للصائم إلى تنقية روحه بالابتعاد عن المعاصي والذنوب، والخضوع والتعبد للخالق الواحد، واستذكار نعمه عليه وطلب رحمته وغفرانه، واستعادة المشاعر الإنسانية والسماحة التي أوصى عليها ديننا الحنيف وازدياد المحبة والتسامح مع أخيه المسلم، وزيادة بر الوالدين وصلة الرحم، والإحساس مع أخيه الفقير ومساعدته. فالصيام يطهر الروح أولا قبل أن يطهر الجسد، فيعيد النور إلى هذه  الروح ويزيل منها أي أثر للظلام الذي قد يكون أثر عليها طيلة العام

ومن ثم تأتي العشر الأواخر في رمضان، وما فيها من دعوة للاعتكاف في المساجد والإكثار من الطاعات وتحري ليلة القدر، فيصبح الصيام هنا في أوج مراحله الروحية عندما يتفرغ الإنسان ويصوم عن الكلام مع الناس والاتصال مع الناس، ليتفرغ تماما للخالق الواحد الأحد. فيغادرنا رمضان واليقين برحمة الله عز وجل تملأ روحنا، والإشراق والنور تملأ نفوسنا، وأجواء الفرح والسرور تسود بيوتنا، جعلنا الله وإياكم ممن كتبت لهم المغفرة والعتق من النار، وأدام عليكم الله نعمه وفضله ورحمته التي وسعت كل شيء.

اترك تعليقاً